ملا محمد مهدي النراقي

141

جامع السعادات

فمنهم من يحبه بكل قلبه . ومنهم من لا يحبه بكل قلبه ، بل يحب معه غيره أيضا من الأهل والولد والمال ، فلا جرم يكون فرحه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه وكراهته لفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها ، وإن كانت كراهته للموت لأجل إرادته الاستعداد والتهيؤ للقاء الله ، ومشاهدته بتحصيل زيادة العلم والعمل ، لا لحب الأهل والمال ، ولا للتأسف على فراق الدنيا ، فهو لا يدل ضعف الحب ولا ينافي أصله ، وهو كالمحب الذي وصل إليه خبر قدوم حبيبه ، فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليعمر داره ويفرشها ويهيأ أسبابها ، ليلقاه فارغ القلب عن الشواغل ، وعلامة ذلك الجد في العمل ، واستغراق الهم في تحصيل المعرفة ، والاستعداد للآخرة . الثانية - أن يؤثر مراد الله - سبحانه - على مراده ، إذ المحب لا يخالف هوى محبوبه لهوى نفسه ، كما قيل : أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد فمن كان محبا لله : يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ، ويحترز عن اتباع الشهوات ، ويدع الكسالة والبطالة ، ولا يزال مواضبا على طاعته وانقياده ويكون مبتهجا متنعما بالطاعة ولا يشغلها ، ويسقط عنه تعبها . وقد روي : ( أن زليخا لما آمنت ، وتزوج بها يوسف ( ع ) ، انفردت عنه ، وتخلت للعبادة ، وانقطعت إلى الله - تعالى - ، وكان يوسف يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل ، وإذا دعاها ليلا سوفت إلى النهار ، فعاتبها في ذلك فقالت يا رسول الله ! إنما كنت أحبك قبل أن أعرف ربك ، فأما إذ عرفته فلا أؤثر على محبته محبة من سواه ، وما أريد به بدلا ) . ثم الحق أن العصيان يضاد كمال المحبة لا أصلها ، ولذا قد يأكل الرجل المريض ما يضره ، ويزيد في مرضه مع أنه يحب نفسه ، ويحب صحته ، والسبب ضعف المعرفة وغلبة الشهوة ، فيعجز عن القيام بحق المحبة . الثالثة - ألا يغفل عن ذكر الله - سبحانه - ، بل يكون دائما مستهترا بذكره ، إذ من أحب شيئا أكثر ضرورة ذكره وذكر ما يتعلق به فمحب الله لا يخلو عن ذكر الله وذكر رسوله وذكر القرآن وتلاوته ، لأنه كلامه ، ويكون محبا للخلوة ليتفرد بذكره وبمناجاته ، ويكون له كمال